النويري

191

نهاية الأرب في فنون الأدب

الأقدام ، والاعتصام به في الصبر ، والاستعانة به على العدوّ ، والرغبة إليه في خذلانهم ، وزلزلة أقدامهم ، وجعل الدائرة عليهم ، دون التصريح بسؤال بطلان حركتهم ، ورجاء تأخّرهم ، وانتظار العرضيّات في خلفهم ، لما في ذلك من إيهام الضّعف عن لقائهم واستشعار الوهن والخوف منهم ، وليسلك في مثل ذلك كما سلك المولى شهاب الدين محمود في نحو ما كتب في صدر كتاب سلطانىّ إلى بعض نوّاب الثغور عند حركة العدوّ ، فإنه قال : أصدرناها ومنادى النّفير قد أعلن : يا خيل « 1 » اللَّه اركبى ، ويا « 2 » ملائكة الرحمن اصحبى ويا وفود الظَّفر والتأييد اقربى ؛ والعزائم قد ركضت على سوابق الرّعب إلى العدا والهمم قد نهضت إلى عدوّ الإسلام فلو كان في مطلع الشمس لاستقربت ما بينها وبينه من المدى ؛ والسيوف قد أنفت من الغمود فكادت تنفر من قربها ، والأسنة قد ظمئت إلى موارد القلوب فتشوقت إلى الارتواء من قلبها « 3 » ؛ والكماة قد زأرت كالليوث إذا دنت من « 4 » فرائسها ، والجياد قد مرحت لما عودتها من الانتعال بجماجم الأبطال فوارسها ؛ والجيوش قد كاثرت النجوم أعدادها ، وسايرتها للهجوم على أعداء اللَّه من ملائكته الكرام أمدادها ؛ والنفوس قد أضرمت الحميّة نار غضبها ، وعداها « 5 » حرّ الإشفاق على ثغور المسلمين عن برد الثغور وطيب شنبها ؛ والنصر قد أشرقت

--> « 1 » أراد بالخيل هنا فرسانها . « 2 » في الأصل : « ولملائكة » ؛ وما أثبتناه عن حسن التوسل إذ هو المناسب لسياق ما قبله وما بعده من الكلام . « 3 » القلب بضم القاف : الآبار ، واحده قليب بفتحها . « 4 » عبارة حسن التوسل : « دنت فرائسها » بدون « من » ؛ وهو أظهر ، إذ به بحصل السجع الذي توخاه الكاتب في رسالته . « 5 » عداها : صرفها ، يقال : عدته العوادى عن كذا ، أي صرفته الصوارف .